الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
368
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إسماعيل لوالده : يا أبت ، أحكم من شد الحبل كي لا تتحرك يدي ورجلي أثناء تنفيذك الأمر الإلهي ، أخاف أن يقلل ذلك من مقدار الجزاء الذي سألناه . والدي العزيز اشحذ السكين جيدا ، وامرره بسرعة على رقبتي كي يكون تحمل ألم الذبح سهلا بالنسبة لي ولك . والدي قبل ذبحي اخلع ثوبي من على جسدي كي لا يتلوث بالدم ، لأني أخاف أن تراه والدتي وتفقد عنان صبرها . ثم أضاف : أوصل سلامي إلى والدتي ، وإن لم يكن هناك مانع أوصل ثوبي إليها كي يسلي خواطرها ويهدئ من آلامها ، لأنها ستشم رائحة ابنها منه ، وكلما أحست بضيق القلب ، تضعه على صدرها ليخفف الحرقة الموجودة في أعماقها . قربت اللحظات الحساسة ، فالأمر الإلهي يجب أن ينفذ ، فعندما رأى إبراهيم ( عليه السلام ) درجة استسلام ولده للأمر الإلهي احتضنه وقبل وجهه ، وفي هذه اللحظة بكى الاثنان ، البكاء الذي يبرز العواطف الإنسانية ومقدمة الشوق للقاء الله . القرآن الكريم يوضح هذا الأمر في جملة قصيرة ولكنها مليئة بالمعاني ، فيقول تعالى : فلما أسلما وتله للجبين ( 1 ) . مرة أخرى تطرق القرآن هنا باختصار ، كي يسمح للقارئ متابعة هذه القصة بانشداد كبير . قال البعض : إن المراد من عبارة تله للجبين هو أنه وضع جبين ولده - طبقا لاقتراحه - على الأرض ، حتى لا تقع عيناه على وجه ابنه فتهيج عنده عاطفة الأبوة وتمنعه من تنفيذ الأمر الإلهي .
--> 1 - ( تله ) من مادة ( تل ) وتعني في الأصل المكان المرتفع ، و ( تله للجبين ) تعني أنه وضع أحد جوانب وجه ابنه على مكان مرتفع من الأرض . ( جبين ) تعني أحد جانبي الجبهة أو الوجه ، وطرفي الوجه أو الجبهة يقال لهما ( جبينان ) .